حين يتذكرهم الخليج .. وينساهم الوطن
مقال بقلم أ/ غادة الحسيني بعنوان حين يتذكرهم الخليج .. وينساهم الوطن

ما أقسى أن يمنح اللاعب أجمل سنوات عمره لوطنه ثم يجد نفسه بعد انطفاء الأضواء خارج حساباته، يركض يوماً حاملاً اسم بلاده ويقاتل من أجل فرحة جمهورها ثم تنتهي به الحال بعيداً عن الاهتمام كأن سنواته في الملاعب لم تكن جزءاً من تاريخ يستحق أن يُصان، والأكثر إيلاماً أن يأتي التقدير من خارج الحدود فيما تتأخر المؤسسات الرياضية في الداخل عن أداء واجبها تجاه رجال صنعوا للكرة اليمنية ذكريات لا تُنسى.
تأتي مشاركة نجوم اليمن القدامى في كأس الخليج التي تستضيفها قطر لتعيد هؤلاء إلى الواجهة، وتمنحهم فرصة جديدة للقاء الملاعب والجمهور وهي مبادرة تستحق التقدير، لكنها تضع واقع الرياضة اليمنية أمام مرآة لا يمكن تجاهلها .. حين يحظى اللاعبون بالتكريم خارج بلادهم يصبح من حقنا أن نتوقف أمام ما ينقصهم من رعاية واهتمام داخلها.
ليست هذه المبادرة الأولى فقد شارك نجوم يمنيون سابقون في بطولة “أساطير الخليج” بالكويت عام 2025 وتتجدد التجربة اليوم، مؤكدة أن تاريخ اللاعب لا يفقد قيمته بانتهاء مسيرته وأن كرة القدم ليست مباريات ونتائج فحسب، بل ذاكرة يصنعها أشخاص يستحقون أن تبقى أسماؤهم حاضرة في وجدان الأجيال.
تضم القائمة الأولية المعلنة للمنتخب اليمني في نسخة قطر عدداً من الأسماء التي ارتبطت بمسيرة الكرة اليمنية، من بينها (نشوان عزيز – أحمد الوادي – سالم سعيد – أسعد القماسي – عصام عبد الكريم – أنور السروري – ناصر الوصابي – أكرم الوافي – شادي جمال – مراد النوحي – ياسر باصهي – عبد الرزاق العشبي – رضوان عبدالجبار – أكرم الصلوي – فكري الحبيشي- زاهر فريد – وسيم القعر – ياسر البعداني – هيثم الأصبحي – خالد بلعيد – فتحي جابر – خالد عفاره – محمد زهرة – عبدالسلام الغرباني – مهند راجح – عبدالغني الغرابي – سالم عوض – جاعم ناصر) وقد أُعلنت القائمة الأولية على أن تُختصر لاحقا إلى 23 لاعباً.
خلف هذه الأسماء سنوات من التدريب والانضباط والمنافسة وتضحيات بذلها اللاعبون في ظروف لم تكن وفيرة الإمكانات، لكنهم دخلوا الملاعب بطموح تمثيل بلادهم وإسعاد جمهورها، ففي خليجي 16 بالكويت عام 2004، سجل شادي جمال أول أهداف المنتخب اليمني في تاريخ مشاركاته بكأس الخليج في محطة ارتبطت ببداية حضور اليمن في البطولة، لم يكن ذلك مجرد هدف في مباراة بل لحظة في ذاكرة جمهور انتظر أن يرى منتخب بلاده حاضراً بين منتخبات المنطقة.
هؤلاء اللاعبون لم يكونوا مجرد أسماء في قوائم المنتخبات كانوا جزء من تاريخ رياضي يستحق التوثيق والإنصاف، غير أن الاعتراف بفضلهم لا ينبغي أن يتوقف عند كلمات الإشادة أو المشاركات الاحتفالية، المطلوب أن تتحمل المؤسسات الرياضية مسؤوليتها تجاههم من خلال برامج واضحة لتكريمهم وتوثيق إنجازاتهم والاستفادة من خبراتهم في تدريب الناشئين وتقديم الدعم الممكن لمن يواجهون ظروفاً صحية أو معيشية صعبة.
هنا ينبغي أن تتحول المطالبة من العتاب إلى إجراءات محددة فوزارة الشباب والرياضة مطالبة بوضع برنامج وطني لرعاية الرياضيين المعتزلين، بالتنسيق مع الاتحاد اليمني لكرة القدم والأندية يتضمن حصر اللاعبين السابقين وتوثيق مسيراتهم وإنجازاتهم وتحديد آلية معلنة لتكريمهم ودعم الحالات الأكثر احتياجاً، كما ينبغي للاتحاد إنشاء أرشيف للمنتخبات الوطنية والاستعانة باللاعبين السابقين في برامج إعداد الفئات السنية بدل ترك خبراتهم خارج المنظومة الفنية، ولا تقل مسؤولية المؤسسات عن تطوير واقع اللاعبين الحاليين، فالمواهب اليمنية لا ينقصها الطموح وحده بل تحتاج إلى بيئة تساعدها على النمو .. مسابقات منتظمة وملاعب صالحة ومدربون مؤهلون ورعاية طبية وبرامج واضحة لاكتشاف المواهب وتطويرها، وعلى الاتحاد والأندية وضع خطط قابلة للقياس لتطوير الفئات العمرية وإعلان أوجه إنفاق الموارد المتاحة ومراجعة أسباب تعثر البرامج حتى لا تبقى تنمية كرة القدم رهينة المبادرات الفردية والوعود الموسمية.
لا يمكن تجاهل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، ولا مطالبة المؤسسات بما يتجاوز إمكاناتها لكن محدودية الموارد لا تبرر غياب التخطيط أو عدم وضوح الأولويات فحتى في أصعب الظروف يمكن البدء بخطوات عملية .. تحديد الاحتياجات وترتيب أولويات صيانة الملاعب وبناء شراكات لدعم الأندية وتوفير فرص تدريب مستمرة للمواهب وإشراك أصحاب الخبرة في رسم السياسات الرياضية.
الخشية أن تتكرر الحكاية مع نجوم اليوم أن يبذلوا سنواتهم في الملاعب ثم يصبحوا بعد الاعتزال مادة لذكريات جميلة ومقالات عتاب جديدة، إن احترام اللاعب لا يبدأ حين يصبح من الماضي بل حين يكون في الملعب وحين يحتاج إلى العلاج والتأهيل وحين يبحث عن فرصة لتطوير موهبته، والجهات المسؤولة مطالبة بأن تضمن ألا تنتهي علاقة اللاعب بمؤسسات الرياضة بمجرد مغادرته المنافسة.
إن مشاركة نجوم اليمن في قطر مناسبة جميلة لكنها ينبغي أن تكون أكثر من خبر رياضي عابر، يجب أن تدفع الجهات المعنية إلى مراجعة سياساتها وإعلان خطوات عملية لرعاية اللاعبين السابقين وتوفير مقومات أفضل للجيل الحالي وبناء منظومة لا تكتفي باستدعاء الماضي للاحتفال به بل تستفيد منه لصناعة المستقبل.
نكرمهم في الخليج لكن الوفاء الحقيقي يبدأ في اليمن، يبدأ حين يجد اللاعب الذي رفع اسم بلاده مؤسسة تحفظ تاريخه وحين يرى اللاعب الشاب أن موهبته لن تُترك لمصادفة أو اجتهاد فردي، أما أن ننتظر الآخرين كي يذكرونا بقيمة نجومنا فذلك عتاب يتجاوز كرة القدم إلى طريقة تعاملنا مع كل من خدم هذا الوطن ثم تُرك بعيداً عن الاهتمام، هؤلاء لا يطلبون أمجاداً جديدة بل تقديراً يليق بما قدموه والمواهب التي تركض اليوم خلف الكرة لا تحتاج إلى وعود بأن المستقبل سيكون أفضل، بل إلى ملاعب صالحة ومنافسات منتظمة ورعاية حقيقية ومؤسسات تؤدي واجبها، الخليج حين يكرّم نجوم اليمن يمنحنا فرصة لنتذكر تاريخهم، أما الامتحان الحقيقي فهو أن يثبت وطنهم أنه لا يتذكر أبناءه فقط حين يتذكرهم الآخرون.