حقيقة المعركة… الانتصار يكمن في الداخل
علوي الباشا بن زبع: استعادة إرادة المقاومة ووحدة الصف مفتاح حسم المعركة

لا يملك خصومنا الحوثيون قوة قاهرة لا تُغلب، ولا قدرة خارقة للعادة. فهناك حقيقة واضحة لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لإدراكها، وهي أن مقاتليهم جزء من النسيج اليمني نفسه الذي ينتمي إليه المقاتلون في طرفَي المعركة. فليسوا ملائكة أطهارًا ولا شياطين من نار، وإنما بشر عاديون امتهنوا الشر واستمرؤوه. ومواجهة هذا النوع من الأعداء تبدأ بالثقة بالنفس وقوة الإرادة، اللتين تمنحان الخطط والقدرات العسكرية معناهما وفاعليتهما. وما لم ندرك هذه الحقيقة، فإن المواجهة قد تتحول إلى استنزاف للرجال دون نتائج م.
الانتصار يكمن في داخل الإنسان، سواء كان قائدًا يدير المعركة والأزمة، أو مقاتلًا في مسرح العمليات. فما لم تكن منتصرًا في داخلك، مؤمنًا بقضيتك وعدالتها، مدركًا أن عدوك مجرد مقاتل مثلك، لديه ما يغريه بالقتال، ولديك ما يدفعك إلى المواجهة والتغلب عليه، فإن شجاعتك وحسن نواياك وحدهما لا يكفيان. ولذلك يبدأ الانتصار من قوة الإرادة، ومن تقدير قدرات الخصم بواقعية، دون تهويل أو استهانة. وقبل ذلك كله، الإيمان بأن الآجال بيد الله، وأن النصر والتمكين من عنده سبحانه، مع الأخذ بأسباب القوة والإعداد.
أتذكّر جيدًا كيف كنا، في بداية الحرب مطلع عام 2015، نتحدث في مجالسنا مع الشباب بهذا المنطق البسيط، حين كانت المقاومة لا تزال في طور التشكّل. كان ذلك سلاحًا معنويًا جرّبنا فاعليته. كنا نقول لأنفسنا ولبعضنا: هؤلاء الحوثيون أبناء قبائل مثلنا، ونحن أصحاب الحق؛ ندافع عن بلادنا وأهلنا، وهم يقاتلون لفرض سلطتهم علينا. رأيناهم من قبل في صعدة، ونعرف أنهم شباب عاديون، استغل قادتهم حاجة كثير منهم، وشحنوهم بثقافة التوحش، وجمعوا بين الأطماع وشعارات التعبئة ليصنعوا ما أسموه «المسيرة القرآنية». والقرآن بريء ممن يفجّرون المساجد ومنازل المواطنين، ويستهدفون المدنيين ومطاراتهم، ولا يراعون حرمة المقدسات.
حين اجتاحت المليشيات الحوثية مناطق ومحافظات واسعة في بدايات الحرب، لم يكن ذلك نتيجة قوة خارقة انطلقت كالإعصار؛ بل كانت، في كثير من المواقع، مجموعات مسلحة ترافقها وحدات من جيش أصابه الانقسام والانهيار، وتتحرك على سيارات رباعية الدفع بأسلحة خفيفة ومتوسطة. ومع ذلك، كانت مناطق تتساقط أمامها كأحجار الدومينو، وتخضع مواقع بأعداد محدودة من الأطقم والمقاتلين. لم يكن ذلك معجزة أو تأييدًا إلهيًا، بل كان للرعب والانهيار المعنوي، إلى جانب تفكك المؤسسات والقيادات، دور كبير في تسهيل ذلك التقدم. لقد خسر كثيرون المواجهة في نفوسهم قبل أن يخوضوها في الميدان.
وبعيدًا عن رسم صورة متفائلة أو متشائمة للمشهد، لا بد من العودة إلى الروح التي قامت عليها المقاومة الباسلة، قبل إعادة تأسيس الجيش الوطني وظهور التشكيلات العسكرية اللاحقة. والمطلوب استعادة تلك الإرادة في إطار جيش منظم بعيد عن الانقسامات المقيته واسناد قبلي على الارض رغم تحفظ بعض العسكريين غير المدركين بانهم يقاتلون مليشيان تسخدم تكتيك حرب عصابات اكثر منها حرب جيوش نطامية وقيادة مسؤولة وحازمة ، تؤمن بعدالة القضية وتعرف قيمة المقاتل وحقه في الإعداد والرعاية وسرعة الاسناد وفي المقدمة رئيس الدولة الذي نثق بنواياه وجهوده الحثيثة وندعوا الى التعاون معه في كل ما يتخذه من قرارت تخدم مسرح العمليات.
ودائما لا يجب ان يغيب عن بال الجميع بان هؤلاء الخصوم الحوثيين مقاتلون عاديون لا قضية لديهم غير استباحة المواطنين وجبايتهم، ونحن أصحاب قضية عادلة؛ ندافع عن وطن ودولة وحق في الحياة، ونواجه مشروعًا يريد إخضاع الناس بقوة السلاح. ومن هنا ينبغي أن ننطلق جميعًا: المعنيون بإدارة المعركة، والمقاتلون في مسرح العمليات، والمساندون لهم. فحين نعيد ترتيب أولوياتنا على هذا الأساس، تصبح الإرادة قوة تدفع إلى حسن التخطيط والتدريب ووحدة الصف، وتساعد على تجاوز فارق التسليح.
ومرة ثانية وعاشرة: الانتصار من الداخل هو مفتاح القوة، والهزيمة النفسية من أقصر الطرق إلى خسارة المعارك، حتى الدفاعية منها. ومن واجب القيادة أن تبني ثقة المقاتل بقدر ما تعدّه للقتال؛ فالثقة تُصنع بالقدوة والكفاءة ووضوح الهدف، وبشعوره أن وراءه قيادة تعرف طريقها وتحفظ دمه وتقدّر تضحياته.
نسأل الله الرحمة الواسعة للشهداء، والشفاء العاجل للجرحى، وأن يخرج اليمن من أزمته، ويعيد الأمن والاستقرار والتعايش السلمي إلى كل ربوع الوطن.