مقالات

صغير بن عزيز.. من خنادق سفيان إلى قيادة المؤسسة العسكرية

مقال اليوم للدكتور يحيى محمد القانصي بعنوان صغير بن عزيز.. من خنادق سفيان إلى قيادة المؤسسة العسكرية

أحد أبطال المؤسسة العسكرية منذ نعومة أظافره، المناضل البطل/ الفريق ركن دكتور/ صغير بن عزيز. من خنادق شمال الشمال، مرورًا بخنادق سفيان إلى رئاسة الأركان، مواصلًا النضال والتضحية ضد المشروع الفارسي ومليشياتهم الغوغائية، دون كلل أو ملل على الإطلاق. هناك رجال لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم المواقف والمعارك والأيام الصعبة. وهناك قادة لا يحتاجون إلى تقديم أنفسهم للناس، لأن ميادين القتال كتبت سيرتهم قبل أن تكتبها الأقلام. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الفريق الركن الدكتور صغير بن عزيز، رئيس هيئة الأركان العامة، قائد العمليات المشتركة، باعتباره واحدًا من القادة الذين ارتبط اسمهم بالمواجهة مع المشروع الحوثي منذ مراحله الأولى، قبل أن يصل إلى موقعه القيادي الحالي في قمة المؤسسة العسكرية.
لم يبدأ بن عزيز معركته مع الحوثيين من مكتب مكيف أو من خلف الخرائط، لا بل من أرض المعركة نفسها، ومن شمال الشمال، حيث كانت المواجهات الأولى، والذي اكتشف مبكرًا طبيعة المشروع الفارسي الذي يحاول ابتلاع الدولة والجمهورية. وفي حرف سفيان، مسقط رأسه وموطنه، كان حاضرًا في المواجهة، مدركًا أن المعركة ليست خلافًا عابرًا، وإنما صراع على الدولة والهوية ومستقبل اليمن والجمهورية. وتشير المصادر إلى أن قبيلة بن عزيز في حرف سفيان خاضت مواجهات مبكرة مع الحوثيين، كما عُرف هو نفسه كأحد القيادات العسكرية التي واجهت الجماعة في حروب صعدة وما تلاها.
وإلى اليوم، وحتى النصر بعون الله تعالى، ولذلك فإن الحديث عن الفريق صغير بن عزيز اليوم لا ينبغي أن يبدأ من رتبة الفريق ولا من منصب رئيس الأركان، كلا، بل يجب أن يبدأ من الخندق. فالرجل الذي عرف الحوثي في بداياته، وعرف جغرافيته وطريقة تفكيره وأسلوبه في القتال، وكان يدرك مبكرًا أيضًا أن هذه الجماعة لا تتحرك من أجل شراكة سياسية، وإنما من أجل مشروع يستهدف الدولة ومؤسساتها والجمهورية ونظامها.
ومع تطورات الأحداث اليمنية، تدرج بن عزيز في المسؤوليات العسكرية حتى أصبح قائدًا للعمليات المشتركة، ثم صدر في فبراير 2020 قرار تعيينه رئيسًا لهيئة الأركان العامة وترقيته إلى رتبة فريق. وهنا بدأت مرحلة أخرى من مسيرته، مرحلة لم يعد فيها يقود معركة في جبهة واحدة فحسب، وإنما أصبح أمام مسؤولية إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية، وتوحيد القرار العسكري، ورفع جاهزية القوات المسلحة، وإدارة العمليات على امتداد مسرح العمليات في عموم البلاد.
ولعل ما يميز الرجل أنه لم يفقد صلته بالميدان وهو في أعلى هرم القيادة العسكرية، فما زال حاضرًا في الجبهات، يتابع الوحدات، ويزور المحاور، ويتحدث مع المقاتلين، ويؤكد أن الجيش لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالتدريب والانضباط والتخطيط والجاهزية العالية. وفي السنوات الأخيرة تحدث بن عزيز عن إعادة بناء الجيش وتوحيد القرار العسكري تحت مظلة وزارة الدفاع ورئاسة الأركان، وهي مهمة شاقة في ظل سنوات الحرب والتشتت.
ولذلك يمكن القول إن الفريق صغير بن عزيز ليس ابن المنصب، وإنما المنصب هو الذي جاء إلى رجلٍ صنعته التجربة. لقد عرف المعركة عندما كانت الإمكانات محدودة، وعرف معنى أن يقف رجال اليمن الشرفاء في وجه المشروع الفارسي المسلح، والذي يتلقى الدعم من الخارج، وعرف ثمن الحرب ودفع من أسرته ورفاقه أثمانًا غالية في هذه المواجهة. وقد تعرض هو نفسه لمحاولات استهداف حوثية، كان من أبرزها الهجوم الذي استهدف مكتبه في مأرب عام 2020، وأدى إلى مقتل نجله وعدد من مرافقيه.
ومن هنا تأتي قيمة الرجل في نظر كثير من اليمنيين، الذين لم يتعرفوا على خطر الحوثي إلا بعد أن أصبح خطرًا على الجميع، والرجل عرف الخطر مبكرًا عندما كان الخطر لا يزال يتشكل في جبال الشمال. إن الحديث عن الفريق صغير بن عزيز هو حديث عن جيل من القادة الذين وجدوا أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية، وعليهم أن يحافظوا على بقاء الجيش، وأن يمنعوا سقوط الجمهورية، وأن يعيدوا بناء المؤسسة العسكرية وسط واحدة من أعقد الحروب التي عرفها اليمن الحديث.
واليوم، حين يقف رئيس الأركان في مقدمة المؤسسة العسكرية، فإن خلفه سنوات طويلة من التجربة، من التدريب والقيادة، إلى الجبهات والعمليات المشتركة، إلى المسؤولية العليا عن الجيش. من سفيان بدأت الحكاية، ومن مأرب اتسعت المعركة، وإلى قيادة الأركان وصل رجل يعرف الميدان قبل أن يعرف المكتب. وهذه هي القيمة الحقيقية للفريق الركن صغير بن عزيز: قائدٌ لم يأتِ إلى المعركة من خارجها، ولم يتعلم الحرب من الكتب وحدها، بل عاشها وخبر وعرف رجالها وأرضها، ودفع ثمنها، ثم حمل مسؤولية جيشٍ يخوض معركة اليمن الكبرى. وفي زمن تتغير فيه المواقف وتتبدل فيه الحسابات، تبقى سيرة الرجال الذين ثبتوا في البدايات أكثر وضوحًا من أي خطاب آخر. الفريق صغير بن عزيز، اسمٌ ارتبط بالمواجهة منذ خنادق سفيان الأولى، ثم انتقل من قيادة الرجال في الميدان إلى قيادة المؤسسة العسكرية بأكملها أخيرًا. سيبقى الحكم النهائي لله ثم للتاريخ، ولما ستكتبه الأيام القادمة في مسيرة الرجل والجيش والجمهورية. وبإذن الله تعالى منصورين بعون الله، والله من وراء القصد.
✍️/ د. يحيى محمد القانصي