مأرب نموذج التعايش والشراكة السياسية في زمن الحرب بلا منافس
مقال اليوم بقلم الدكتور يحيى القانصي في الذكرى الـ44 لتأسيس المؤتمر الشعبي العام.

في عام 2015م، ومع بداية الانقلاب الحوثي المسلح على مؤسسات الدولة والنظام الجمهوري، كانت اليمن تقف أمام واحدة من أخطر مراحلها السياسية والتاريخية. وفي خضم تلك الظروف الاستثنائية، برزت محافظة مأرب بموقف سياسي ووطني مشرّف، لم يكن موقف فرد أو مكوّن بعينه، بل كان موقفًا جسّدته فروع الأحزاب السياسية المأربية بمختلف توجهاتها وانتماءاتها.
لقد أثبتت فروع الأحزاب السياسية في مأرب أن الاختلاف السياسي لا يعني الاختلاف حول الوطن، وأن التعددية الحزبية يمكن أن تتحول في الأزمات الكبرى إلى مصدر قوة لا إلى عامل انقسام. فقد توحدت الإرادة السياسية المأربية حول هدف أكبر من الحسابات الحزبية الضيقة، ألا وهو الدفاع عن الدولة والنظام الجمهوري ومؤسساتهما، ورفض مشروع الانقلاب والفوضى بكل أشكالها وأنواعها.
وكان ذلك الموقف رسالة واضحة إلى الداخل اليمني، وإلى الإقليم والمجتمع الدولي، مفادها أن مأرب ليست مجرد محافظة تخوض معركة عسكرية، وإنما محافظة تمتلك وعيًا سياسيًا قادرًا على الجمع بين المقاومة الوطنية والتعددية السياسية، وبين الاختلاف الحزبي والشراكة في القضايا الوطنية الكبرى.
وما يجعل تجربة مأرب أكثر أهمية أنها جاءت في ظروف الحرب، حيث في الغالب ما تضيق مساحات الاختلاف، وتتراجع الحياة السياسية، وتصبح لغة الإقصاء والتخوين هي السائدة. إلا أن مأرب قدّمت نموذجًا مختلفًا، نموذجًا يؤكد أن الديمقراطية لا ينبغي أن تكون ضحية للحرب، وأن العمل السياسي المشترك يمكن أن يستمر دون توقف حتى في أصعب الظروف.
لقد كانت فروع الأحزاب السياسية في مأرب، بمواقفها المشتركة، جزءًا من المشهد الذي صنعت من خلاله المحافظة صورتها الوطنية المتميزة، وظلت تلك المواقف منذ عام 2015م وحتى اليوم واحدة، وسوف تبقى ـ بإذن الله ـ كذلك، واحدة من الصفحات التي يحق لمأرب وأبنائها أن يفخروا بها، لأنها جسدت معنى الشراكة السياسية، واحترام التعدد، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية.
إن مأرب، وهي تخوض معركة الدفاع عن الدولة والجمهورية، استطاعت في الوقت نفسه أن تحافظ على مساحة واسعة للتعايش السياسي والاجتماعي، وأن تثبت أن قوة المجتمع لا تُقاس فقط بما يمتلكه من أدوات المواجهة، وإنما أيضًا بقدرته على إدارة اختلافاته بالحوار والشراكة الوطنية العادلة.
ومن هنا، فإن تجربة الأحزاب السياسية في مأرب تستحق أن تُقرأ بوصفها تجربة وطنية وسياسية جديرة بالتأمل، خصوصًا عند مقارنتها بما شهدته محافظات أخرى من انقسامات وإقصاء وتفكك سياسي في ظل الحرب.
لقد أرسلت مأرب رسالة قوية إلى الوطن والإقليم: هنا يمكن أن تختلف الأحزاب دون أن يختلف الوطن، وهنا يمكن أن تتعدد المشاريع السياسية دون أن تسقط الدولة، وهنا يمكن أن تتعايش القوى الوطنية تحت مظلة الجمهورية والنظام الجمهوري.
إن مأرب لا تفخر فقط بأنها صمدت في وجه الانقلاب، بل تفخر أيضًا بأنها حافظت على روح التعددية السياسية والشراكة الوطنية في زمن كان الانقسام فيه أسهل من التوافق، والإقصاء أسهل من الحوار.
ولهذا ستظل مواقف فروع الأحزاب السياسية المأربية في عام 2015م وما بعدها صفحة مضيئة في تاريخ المحافظة، وشاهدًا على أن مأرب استطاعت أن تجمع بين المقاومة الوطنية والتعايش المجتمعي والديمقراطية والشراكة السياسية، وأن تقدم نموذجًا مختلفًا عن كثير من المناطق التي أرهقتها الحرب والانقسامات المختلفة.
مأرب لم تكن فقط جبهة للدفاع عن الجمهورية، بل كانت أيضًا جبهة للدفاع عن فكرة الدولة، وعن التعددية، وعن حق اليمنيين في الاختلاف والتعايش والشراكة. وهذه صفحة تستحق أن تبقى مرفوعة إلى عنان السماء، لا أن تُقابل بالتجاهل أو الإقصاء أو التهميش.
والله من وراء القصد.
✍️ د. يحيى محمد القانصي
عضو قيادة قطر اليمن
أمين سر فرع مأرب لحزب البعث العربي الاشتراكي القومي