التجويع.. سلاح الحوثي لعسكرة اليمنيين خدمةً لمصالح إيران
مقال للكاتب الصحفي أحمد الشميري بعنوان التجويع.. سلاح الحوثي لعسكرة اليمنيين خدمةً لمصالح إيران

لم يعد الجوع في اليمن مجرد نتيجة للحرب، بل أصبح سياسة ممنهجة تمارسها مليشيا الحوثي الإرهابية بحق ملايين اليمنيين منذ انقلابها على الدولة، وسيطرتها على المؤسسات خدمة لمصالح إيران وإرهابها في المنطقة.
لقد صنعت المليشيا الحوثية ومن أجل إيران باليمنيين الأفاعيل، وجلبت الفقر والانهيار الاقتصادي، وصادرت رواتب الموظفين، ونهبت الإيرادات العامة، وفرضت الجبايات والإتاوات، وحولت موارد الدولة إلى خزائن تمول مشروعها العسكري، بينما تركت المواطن يواجه الجوع والمرض والعوز، وكل هذا لكي تحقق إيران أهدافها وتحمي مشروعها النووي.
إن المشروع الإيراني في اليمن والذي ينفذه الحوثي أدخل اليمن في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، حتى تجاوزت معدلات الفقر مستويات غير مسبوقة، واتسعت رقعة البطالة، وأصبح ملايين اليمنيين عاجزين عن توفير احتياجاتهم الأساسية، ولم يعد مشهد البحث عن لقمة العيش استثناءً، بل تحول إلى واقع يومي يطارد الأسر في المدن والقرى، حتى بات الموت جوعاً شبحاً يخيم على حياة جميع اليمنيين.
والمفارقة الصادمة أن هذه المأساة الإنسانية تتزامن مع ثراء فاحش تعيشه قيادات الحوثي، التي تتباهى بالقصور الفارهة، والعقارات، والاستثمارات، والسيارات الفاخرة، فيما لا يزال اليمنيون عاجزين عن شراء رغيف الخبز أو توفير الدواء لأطفالهم، ويتساءلون عن مصير مئات المليارات من الدولارات التي جُمعت من عائدات الموانئ والجمارك والضرائب والزكاة وغيرها من الموارد العامة، والتي يقدرها مراقبون بنحو 313 مليار دولار.
لقد استنسخ الحوثي نموذج النظام الإيراني في إدارة المجتمعات عبر الإفقار والإخضاع، فكما يستخدم النظام الإيراني فكرة جديدة لإدارة الأزمات الاقتصادية وإحكام قبضته على الداخل، نجد الحوثي ينفذها ويحول الغذاء إلى وسيلة ابتزاز، والراتب إلى أداة عقاب جماعي، والمساعدات الإنسانية إلى غنيمة حرب تُمنح وفقاً للولاءات، لا وفقاً للاحتياجات الإنسانية، وهكذا أصبح التجويع وسيلة للسيطرة على المجتمع، وإجبار المواطنين على الخضوع لمشروع لا يرى في الإنسان سوى وقود لاستمرار الحرب.
لكن السؤال الأهم: لماذا يمارس الحوثي كل هذه السياسات التجويعية بحق الشعب اليمني؟ الإجابة بكل صراحة: من أجل إيران ومشروعها النووي، فهي من توجه بهذه الممارسات لكي تجبر اليمنيين على الخضوع له ولمشروعها الدموي ولكي يتحول اليمنيين إلى بيادق بيد الحوثيين يقاتلون هنا وهناك كوقود لحروب إيران ومصالحها وبأقل تكلفة.
وعلى واقع المخطط الإيراني وأهدافه، لم يكتفِ الحوثي بإشعال الحرب على الجبهات، بل فتح حرباً أخرى على موائد اليمنيين، وأصبح الغذاء حلماً بعيد المنال، والدواء عبئاً لا تستطيع الأسر تحمله، والراتب ذكرى غائبة منذ سنوات، وكل جباية جديدة تعني أسرة أقل قدرة على شراء احتياجاتها، وكل راتب يُحرم منه موظف يعني أطفالاً أكثر عرضة لسوء التغذية، في سياسة إفقار ممنهجة لا يمكن وصفها بأنها مجرد أخطاء في الإدارة، بل هي نهج مقصود لإبقاء المجتمع في حالة عوز دائم.
ورغم أن اليمن يمتلك من الموارد الطبيعية والموقع الإستراتيجي ما يؤهله لأن يكون بلداً مستقراً وقادراً على تحقيق التنمية، إلا أن المليشيا الحوثية الإرهابية حوّلته إلى واحدة من أكبر بؤر الجوع في العالم، وهنا نؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً في نقص الإمكانات، بل في استنزافها وتسخيرها لخدمة مشروع عسكري وأيديولوجي مستورد من إيران على حساب حياة المواطنين ومستقبل الأجيال.
إن الجوع في مناطق سيطرة الحوثي ليس قدراً، ولا نتيجة طبيعية للحرب وحدها، بل هو حصيلة مباشرة لسياسات إيرانية دموية في اليمن تعتمد على نهب الإيرادات، وفرض الإتاوات، واستمرار توجيه موارد الدولة لتمويل الصراعات الخارجية ومصالح إيران بدلاً من تحسين حياة الناس. وما يزيد من معاناة اليمنيين أن المليشيا لا تتردد في استغلال كل أزمة أو حرب إقليمية لجر البلاد إلى صراعات جديدة، تدفع كلفتها الأسر اليمنية وحدها، بينما تجني القيادات المزيد من النفوذ والثروة.
ولعل أخطر ما يكشف حقيقة مشروع إيران والحوثي في اليمن أن الجوع لم يعد يقتصر على معارضيه أو الرافضين للمليشيا الإرهابية الإيرانية، بل امتد ليطال حتى الموالين له والعناصر التي قاتلت في صفوفه لسنوات، فقد بدأت أصوات من داخل المليشيا نفسها تشكو من التجويع والإهمال والتمييز الذي تمارسه القيادات، بعدما اكتشفت أن الشعارات التي رُفعت لم تكن سوى وسيلة لاستغلال المقاتلين والزج بهم في جبهات القتال، بينما احتكرت قلة من القيادات الثروة والنفوذ.
واليوم، لم تعد الانتقادات تأتي من خصوم الحوثي فحسب، بل باتت تصدر من داخل بيئته الحاضنة، إذ تتزايد شكاوى بعض المنتمين إليه من سياسات الإفقار والحرمان، ووصل الأمر إلى مطالبة بعضهم بالقضاء على هذه المليشيا. غير أن الرد لم يكن إصلاحاً أو استجابة لهذه المطالب، بل مزيداً من القمع، إذ تعرض عدد ممن انتقدوا تلك الممارسات للاعتقال أو الملاحقة، في مشهد يعكس أن المليشيا لا تتسامح حتى مع الأصوات القادمة من داخل صفوفها، وأن مشروعها المدمر لا يفرق بين مناهض أو معارض، وإنما هدفها قتل كل الشعب اليمني.
والملاحظ ايضا أن من كانوا يدافعون عن المشروع الإيراني ـ الحوثي ويحملون السلاح في صفوفه بالأمس، فإنهم اليوم ضحاياه، وهذا بالتأكيد يعكس حجم الأزمة التي يعيشها المجتمع في مناطق سيطرة المليشيا، ويكشف أن المشروع الإيران ـ الحوثي الذي وعد أتباعه بالسلطة والكرامة انتهى إلى تجويعهم وقمعهم، وأنه مشروع عنصري مدمر دخيل على مجتمعنا وهدفه قتل اليمنيين وليس أحيائهم.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن مشروع الحوثي المستورد من إيران لا يعيش إلا على استمرار الأزمات، وأن الاقتصاد المنهار، والمجتمع الفقير، والدولة الغائبة، تمثل البيئة المثالية لبقاء مشروع هذه المليشيا الإرهابية الإيرانية، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول اليمن، في ظل سيطرته، إلى ساحة للفوضى، ومسرح لانتهاكات حقوق الإنسان، وبلد تتراجع فيه