السيادة.. معركة الوجود الأخير د. علي العسلي

حين تصبح السيادة معركة وجود، يتلاشى هامش المناورة الدبلوماسية الباردة، ويتحول الحياد الرمادي إلى قبول تدريجي بفرض الأمر الواقع. واليمن اليوم يقف أمام منعطف تاريخي لا يحتمل أنصاف الحلول؛ فالمواجهة لم تعد بين أطراف سياسية متنافسة، وإنما بين مشروع الدولة والشرعية من جهة، ومشروع الميليشيا المدعوم إيرانياً من جهة أخرى. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح تعزيز الوعي الشعبي ركناً أساسياً في حماية الدولة، ومغادرة مربع الانتظار والمقاربات الهشة نحو موقف سيادي أكثر وضوحاً وحزماً، يعيد الاعتبار لمعنى الدولة وحقها الحصري في ممارسة وظائفها على كامل أراضيها.
لم تعد السيادة اليمنية مجرد عنوان في البيانات الرسمية، بل أصبحت قضية مرتبطة بمستقبل الدولة وقدرتها على البقاء. فعندما تُنتهك الحدود، ويُتعامل مع جماعة مسلحة خارج إطار الدولة والقانون باعتبارها طرفاً موازياً للشرعية، فإن الخطر لا يقتصر على الحاضر، بل يمتد إلى مستقبل اليمن ووحدته ومؤسساته. لقد أثبتت سنوات الصراع أن الاكتفاء بردود الفعل والتعامل مع الانتهاكات بمنطق الاحتواء لم يؤدِّ إلى السلام المنشود، بل أسهم في إطالة أمد الأزمة، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتعقيد الوضع الإنساني.
إن استعادة الدولة مشروع وطني شامل يبدأ باستعادة القرار السيادي، وينتهي بإعادة بناء المؤسسات على أسس الكفاءة والانتماء الوطني. ولم يعد كافياً الاكتفاء بالرفض الدبلوماسي أو البيانات السياسية، بل يغدو من الضروري بناء سياسة سيادية واضحة وحازمة تؤكد أن الأرض والأجواء والمياه الإقليمية والمنافذ هي اختصاص أصيل للدولة المعترف بها دولياً، ولا يجوز تجاوزها تحت أي مبرر كان.
وفي هذا السياق، تفرض المصلحة الوطنية العليا إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع النظام الإيراني، في ظل ما تعتبره الحكومة اليمنية دعماً مستمراً للميليشيا الحوثية، ومحاولات منحها غطاءً سياسياً وتمثيلياً يتعارض مع مبدأ الدولة الشرعية ومؤسساتها المعترف بها دولياً. فالعلاقات بين الدول ليست غاية قائمة بذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق المصالح المشتركة واحترام السيادة المتبادلة. وعندما تتحول هذه العلاقات إلى أداة للتدخل في الشؤون الداخلية، أو تقويض مؤسسات الدولة، أو دعم أطراف خارجة عن إطارها الشرعي، فإن من حق الدولة المعنية إعادة تقييم خياراتها واتخاذ ما تراه مناسباً، بما في ذلك تجميد أو قطع العلاقات الدبلوماسية، بما ينسجم مع مقتضيات حماية أمنها الوطني وسيادتها.
كما أن الساحل الغربي والجزر الاستراتيجية وباب المندب تمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي اليمني والإقليمي، ولحماية الملاحة الدولية. ومن ثم، فإن تعزيز حضور الدولة العسكري والأمني في هذه المناطق بات أولوية لا تحتمل التأجيل للوقوف في وجه المخطط الحوثي-الإيراني الساعي لإغلاق المضيق وجر البلاد لما لا تُحمد عقباه؛ لأن الفراغ في مناطق السيادة لا يبقى فراغاً طويلاً، بل يتحول سريعاً إلى مساحة مفتوحة لمشاريع النفوذ والصراع والتمدد الميليشاوي.
وتأكيداً على هذا الحزم، فإن حماية الأجواء اليمنية تمثل واجباً سيادياً أصيلاً. وتنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي الأخيرة في خطابه الحازم أمام مجلس الدفاع الوطني، بأنه “لن تعود أي طائرة إيرانية إلى أرضنا على الإطلاق بعد اليوم”؛ ينبغي أن يتصدر هذا الملف أولويات المؤسسة الدفاعية والأمنية، بما يضمن حماية أمن اليمن واستقراره براً وبحراً وجواً. ولكي تكتسب هذه التوجيهات أثرها العملي، فإن ترجمتها العسكرية الفورية للتصدي أو إرغام أي طيران معادٍ على الهبوط في مناطق الشرعية تصبح ضرورة؛ فأي تهاون مع تكرار هذه الاختراقات ـ خصوصاً وقد أعلن المخترقون ذلك وتفاخروا به علناً ـ قد يُفهم على أنه قبول بالأمر الواقع، وهو ما يتعارض تماماً مع مقتضيات حماية الدولة وحقها في ممارسة سيادتها الكاملة.
وعلى صعيد علاقات الجوار، تستدعي المرحلة حواراً مباشراً وصريحاً مع سلطنة عُمان عبر وفد رسمي رفيع المستوى، يضع أمام الأشقاء صورة موثقة للهواجس الأمنية التي تراكمت خلال سنوات الصراع. ويشمل ذلك ملفات تهريب الأسلحة، والأنشطة السياسية والاقتصادية المشبوهة لرموز الميليشيا هناك، وتسهيل تنقلاتهم، وسبل منع استغلال الأراضي أو الأجواء في أي نشاط يمس السيادة اليمنية، بما يعزز التعاون الأمني ويحفظ مصالح البلدين وأمن المنطقة ككل.
أما الأمم المتحدة، فإن التجربة العملية خلال السنوات الماضية أظهرت الحاجة الملحة لمراجعة أدواتها ومقارباتها، بما يضمن أن تبقى جهودها منسجمة مع المهام المكلفة بها دون حَيد عنها، بالالتزام الصارم بالمرجعيات المتوافق عليها. فإنصاف العملية السياسية لا يتحقق عبر التغاضي عن انتهاكات الميليشيا، أو تحويل وسائل نقل المنظمة الدولية لتسهيل تحركاتها ومشاغلها، ولا بمساواة الدولة الشرعية بالانقلاب، بل بدعم مسار حقيقي يعيد للدولة دورها الطبيعي ويضمن تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة. ومن هذا المنطلق، يحق للحكومة اليمنية أن تطلب مراجعة أداء المبعوث الأممي، وتقييم جدوى استمرار مهمته التي باتت تُستخدم لإنقاذ الميليشيا عند كل انكسار.
وإذا كانت حماية السيادة تبدأ من مواجهة التهديدات الخارجية، فإن استدامتها تظل رهناً بصلابة مؤسسات الدولة من الداخل. فالدولة التي تخوض معركة وجودية تحتاج إلى مسؤولين يحملون مشروعها الوطني بوضوح، ويترجمون مسؤولياتهم إلى مواقف وأفعال، لا إلى مواقع صامتة، أو حسابات رمادية، أو ارتهان لمشاريع فئوية صغرى. ومن هنا، تكتسب رؤية مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ونائب رئيس هيئة التشاور والمصالحة، معالي الأستاذ عبد الملك المخلافي ـ المستندة لتجربته الثرية كنائب لرئيس الوزراء ووزير للخارجية ـ حول “سبعة معايير للمسؤولية العامة في مرحلة استعادة الدولة”، أهمية خاصة؛ فهي لا تقدم معايير إدارية مجردة، بل تضع إطاراً وطنياً حازماً يربط المسؤولية بالالتزام بالدولة والشرعية، وتقديم المصلحة الوطنية على ما عداها.
ولا يقتصر جوهر هذه الرؤية على معايير الاختيار والتقييم، بل يمتد ـ كما أكد معالي المستشار ـ إلى مساءلة الموقف ذاته؛ فالمسؤول الذي يتولى موقعاً سياسياً أو تنفيذياً أو دبلوماسياً أو إعلامياً، ثم يغيب صوته وفعله عن معركة استعادة الدولة، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق أدائه مع مقتضيات المسؤولية العامة. وانطلاقاً من ذلك، فإن مراجعة أداء شاغلي المناصب العامة في ضوء هذه المعايير ـ بدلاً من مجرد طرحها للنقاش الهادئ الذي دعا إليه معاليه تواضعاً ـ ليست إجراءً إقصائياً، وإنما هي ضرورة تنفيذية لضمان أن تبقى مؤسسات الدولة قادرة على أداء دورها؛ فالمسؤولية تكليف يرتبط بالأداء والنتائج، ويُقاس بمدى الإسهام في حماية الدولة واستعادة هيبتها.
لقد دفع اليمنيون ثمناً باهظاً من أرواحهم ومستقبلهم دفاعاً عن وطنهم؛ فالدفاع عن السيادة هو دفاع عن حق شعب كامل في أن تكون له دولة واحدة، وسلطة واحدة، وجيش واحد تحتكم مؤسساته للدستور والقانون. وإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة اليوم هو مقارعة تحدياتها المصيرية بذات الأدوات والمؤثرات المترددة والمترهلة التي أثبتت عجزها ومحدودية أثرها. إن استعادة الدولة ليست مجرد استعادة للأرض، بل هي استعادة للقرار والسيادة والمؤسسات؛ معركة تتطلب تجديداً جذرياً، وإرادة سياسية واضحة، واختياراً حاسماً لكفاءات وطنية تحمل موقفاً صريحاً مؤمناً بالدولة، وتُعلي مصلحة اليمن وسيادته فوق كل اعتبار، في مواجهة مصيرية لا تقبل المساومة ولا أنصاف الحلول الرمادية.