مقالات

ضمان استحقاق المبيع للغير بقلم القاضي عادل الحمزي

الثلاثاء 25 سبتمبر 2025 9:12 مساء

يحصل كثير في الواقع أن يقوم الشخص ببيع ما لا يملك ، ولأن المعلوم شرعا وقانونا أن البائع يضمن تسليم المبيع للمشتري خاليا من أي التزامات، وإذا حصل وأن قام البائع ببيع ما لا يملك واستلم المشتري المبيع ، فقام الغير( المالك) برفع دعوى على المشتري كونه أصبح حائزا للمبيع ، وينازعه الغير في ملكية المبيع ويطلب إعادته لمالكه الحقيقي، فعلى المشتري طلب إخال البائع في الدعوى ، فإذا تم الحكم بملكية المبيع للغير ، فعلى المشتري إما يقدم طلبا عارضا يسمى (دعوى ضمان الاستحقاق) أو يرفع دعوى أصليه يطالب فيها البائع بالتعويض عن استحقاق المبيع للغير ، وقد يكون استحقاق الغير للمبيع كليا أو جزئيا وسنفصل ذلك على النحو التالي:

أولا: تعريف ضمان الاستحقاق: هو التزام البائع بتعويض المشتري عما أصابه من ضرر بسبب استحقاق المبيع للغير.

ثانيا : شروط ضمان الاستحقاق: 

1.عجز البائع دفع دعوى التعرض المرفوعة من الغير، أو تقاعسه عن التدخل فيها، وكذلك عجزه عن إثبات خطأ المشتري، ويكون خطأ المشتري سببا في عدم استحقاقه التعويض من البائع في حالة ما حكم بالمبيع للغير بناء على إقرار المشتري أو نكوله، وهو ما أشار ت إليه المادة (538) من القانون المدني.

2.استحقاق المبيع للغير كلياً أو جزئياً، إذ قد يحكم بملكية المبيع للغير كاملا، وقد يحكم للغير بملكية جزء من المبيع كأن يكون شريكا مع ال بائع أو وارثا معه .

3.تمسك المشتري بدعوى الضمان وعدم اللجوء إلى دعوى الفسخ أو الإبطال، لأن دعوى الضمان يكون منشؤها العقد ويفترض أن العقد مازال، بعكس دعوى الإبطال أو الفسخ فيكون التعويض على أساس أن العقد قد زال، وثمرة هذا التفريق هو معرفة التعويض المستحق للمشتري .

ثالثا: أنواع ضمان الاستحقاق

نص المقنن اليمني في المادة (539) على أن الاستحقاق للغير نوعان : استحقاق مبطل للتملك إذا ورد على مبيع لا يقبل التملك كالوقف ، وإلاّ فاستحقاق ناقل للملك وتفصيل ذلك كالتالي:

النوع الأول ـ: الاستحقاق المبطل للملك:

وهو الذي يتحقق وجوده عند اكتشاف المشتري أن المبيع لا يجوز تملكه، ولا يجوز لحائزه التصرف في ملكيته، كأموال الأوقاف والأملاك العامة ، وفي هذه الحالة يحق للمشتري الرجوع على البائع بالضمان ، ولو لم ترفع عليه دعوى الاستحقاق من الغير، و لا يحتاج إلى حكم باستحقاقه للغير، ولا حتى إلى دعوى إبطال العقد كون العقد باطل أساسا كونه ورد على ما لا يقبل التملك ، ولذا لا مثيل لهذا النوع في التشريعات الأخرى .

النوع الثاني: الاستحقاق الناقل للملك: 

وهو الذي يرد على أشياء يجوز تملكها والتصرف فيها، ولكن ثبوت حق للغير عليه جعله يتعارض مع الحقوق التي اكتسبها المشتري بموجب عقد البيع. ومثال ذلك أن يقدم شخص على بيع شيء لا يملكه، ويتم نقل ملكية المبيع بحكم إلى الغير ، والفرق بين هذه الحالة والحالة الأولى أن في الحالة الأولى لا بيع أساسا أما في هذه الحالة فبيع ملك الغير يجعل تصرف البائع موقوف على إجازة المستحق(الغير)، فإن أجازه صح العقد وكان للمشتري الرجوع على البائع بالثمن، والتعويض وهو بذلك طبق حكم تصرف الفضولي، وهذا في حالة الإجازة، أما إذا لم يجز المستحق (الغير) التصرف من البائع فللمشتري الرجوع على البائع له للمطالبة بالتعويض عن ما أصابه من ضرر وفقا للتفصيل الذي سيأتي، وهو ما نصت عليه المادة (541): الاستحقاق للغير الناقل للملك يتوقف فيه البيع على إجازة المستحق والحكم به حكم على ذي اليد وعلى من تناقل منه المبيع إن شارك في الدعوى ولم يظهر منه حجة تبطل الاستحقاق ولا يرجع أحد من المشترين على البائع له إلا بعد الرجوع عليه.

رابعا: أحكام ضمان الاستحقاق:

مما لا خلاف عليه أن البائع يضمن للمشتري في حالتي الاستحقاق الكلي والجزئي وظهور عيب في المبيع وهو ما نصت المادة (536) من القانون المدني والتي نصت على ( يلزم البائع ضمان استحقاق المبيع للغير كله أو بعضه، وضمان فوات الوصف المشترط في المبيع وضمان العيب الذي يظهر في المبيع طبقاً لما هو منصوص عليه في هذا القانون. كما يظهر من خلال نص المادتين (254، 543) من القانون المدني أن المقنن اليمني قد اعتبر نقص المبيع عيبا فيه وتطبق عليه أحكامه ، حيث نصت المادة (543) من القانون المدني على: يعتبر استحقاق بعض المبيع عيبا فيه تطبق في شأنه الأحكام المتعلقة بظهور عيب في المبيع كما يطبق بشأنه حكم المادة (535) المتعلقة بنقص قيمة المبيع لتلف أصابه قبل التسليم. ونصت المادة (254) من نفس القانون على: استحقاق بعض الشيء للغير عيب في الباقي تطبق عليه أحكام العيب المنصوص عليها فيما تقدم، ولكن السؤال ماهي أحكام العيب التي تطبق على الاستحقاق الجزئي؟ علما أن هناك فرق بينهما في كثير من الأحكام ، حيث عرفت المادة (242) من القانون المدني العيب بأنه ظهور شيء في المعقود عليه ينقص القيمة أو يفوت غرض العاقد، أما في الاستحقاق فالمبيع سليما لم تنقص قيمته ، إذن فالاستحقاق الجزئي لا يفترض عيبا في المبيع بل يوجد حقا للغير عليه، فالمبيع سليم من حيث ماديته، معيبا من حيث ملكيته، أما المعيب فمعيبا من حيث ماديته، سليما من حيث ملكيته.

كما أنه لا يشترط في الضمان الجزئي أن يكون المشتري حسن النية ، ويشترط ذلك في العيب، كما أنه لا يجوز الاتفاق على عدم ضمان الاستحقاق وفقا لنص المادة (544) والتي نصت على: لا يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على عدم ضمان البائع لثمن المبيع عند استحقاق الغيـر له ويكون البيع غير صحيح ، ولو كان المشتري يعلم وقت البيع بسبب الاستحقاق، بعكس العيب فيجوز الاتفاق على عدم ضمان العيب وفقا لنص المادة (549) والتي جاء فيها: يجوز للمتعاقدين الاتفاق على إسقاط ضمان فوات الوصف وضمان العيب أو إنقاصه ويلغى شرط إسقاط الضمان أو إنقاصه. وعليه فإن المبيع في حالة الاستحقاق الجزئي يوصف بأنه معيبا ، وتطبق عليه أحكام العيب ، وبالأخص من حيث فسخ العقد من عدمه، و مقدار التعويض، وتجدر الإشارة أن الاستحقاق الكلي لا تنطبق عليه أحكام العيب

خامسا: مقدار التعويض الذي يستحقه المشتري في دعوى ضمان الاستحقاق:

يعتبر التعويض هو الغرض الأساسي من رفع دعوى الاستحقاق ، وهو العنصر الأهم في هذا البحث ، كونه محل خلاف بين القانونيين والباحثين بل والقضاة في المحاكم وذلك بسبب اشتمال المادتين (542،545)من القانون المدني على حكمين مختلفين ، وفرق المقنن بين التعويض المستحق بينما إذا كان الاستحقاق كليا أو جزئيا نفصل على النحو التالي:

الأول: الاستحقاق الكلي

أورد القانون في المادتين (542،545) من القانون المدني حكمين مختلفين -كما يظهر- حيث نصت المادة (542) على (أنه إذا ثبت الاستحقاق طبقاً لما هو مبين في المادة (538) فللمشتري أن يرجع على البائع بالثمن ما لم يكن الاستحقاق بإقرار المشتري أو بنكوله فليس له الرجوع). ونصت المادة (545) مدني يمني على (إذا ضمن البائع ضمان الدرك واستحق المبيع للغير فعلى البائع ضمان الرقبة بثمنها المدفوع، وضمان الغلة، وضمان ما غرمه المشتري، ويدخل في ذلك فرق العملة في غير الربويات)فالذي يظهر أن المقنن فرق بين إذا ما ضمن البائع للمشتري ضمان الدرك وبين إذا كان الضمان عاديا، فإذا ضمن البائع ضمان الدرك فيطبق حكم المادة (545) وإذا لم يضمن فيطبق نص المادة (543) وهذه التفرقة من وجهة نظرنا غير سليمة ، لأن البائع دائماً ملتزم بضمان الاستحقاق، وضمان الدرك الشرعي ، وما يقوم به بعض المشترين من النص عليه في عقد البيع، ليس ضروريا إذ أن الأصل أنه ملتزم بضمان الدرك الشرعي سواء نص عليه في عقد البيع أو لم ينص ، وهو ما أشار إليه بعض الفقه الإسلامي ، وذهبت إليه أغلب التشريعات العربية ، كما إن سبب التعويض هو استحقاق المبيع للغير من يد المشتري فالعلة واضحة وهي نزع المبيع من تحت يد المشتري وحرمانه منه ، ولذا يكون مستحقا للتعويض سواء ضمن البائع ضمان الدرك أم لم يضمن ، كما أن المعلوم قانونا أن ضمان الاستحقاق يكون ثابتاً بقوة القانون حتى ولو لم ينص عليه في العقد وهو ما صرح به فقهاء القانون المدني، لأنه لا يجوز الاتفاق على عدم الضمان وفقا لنص المادة (544) مدني، كما أن دعوى ضمان الاستحقاق تختلف عن دعوى إبطال العقد أو فسخه؛ لأنه في الحالة الأولى يفترض بقاء العقد وأن التنفيذ بمقابل بدلا عن التنفيذ العيني وبالتالي يكون أساس التعويض عقد البيع ، ويقدر التعويض بناء على المسؤولية العقدية، أما في الحالتين الأخريين فتكون المطالبة بالتعويض على أساس أن العقد قد زال ، وعليه فإن التعويض الذي يستحقه المشتري في حالة الاستحقاق الكلي للمبيع يتمثل في العناصر الآتية:

الثمن: وهو المقابل الذي دفعه المشتري إلى البائع .

فارق العملة: وذلك في حالة انخفاض العملة الورقية مقابل الذهب والفضة إذا كان ذلك الثمن عملة ورقية وليس من الذهب والفضة وهو ما أشارت إليه المذكرة الإيضاحية بقولها: إذا كان الثمن عملة ورقية فهي كالسلعة تعلو قيمتها وتنخفض بالقياس إلى الذهب والفضة باعتبارها النقدين اللذين يقدر على أساسهما الثمن أصلاً، فإن كانت العملة الورقية قد نقصت قيمتها بالقياس إلى النقدين (الذهب والفضة) كان للمشتري أن يطالب بفرق القيمة حتى لا يضار بنقص العملة الورقية.( )

قيمة الثمار التي ردها المشتري للمستحق: وهي الغلة التي ينتجها المبيع، والتي أجبر المشتري على ردها للغير المستحق للمبيع.

ما غرمه المشتري ، وتشمل:

المصروفات: وتشمل المصروفات التي أنفقها المشتري في سبيل إنجاز عقد البيع وتسجيله، وهي ما تسمى بنفقات عقد البيع، وكذا المصاريف القضائية لدعوى الضمان، ودعوى الاستحقاق.

النفقات: وهي اللازمة لحفظ الشيء وصيانته، كالنفقات التي ينفقها في سبيل ترميم العقار أو إعادة بنائه، أو كانت نفقات نافعة للمبيع، وهي التي تهدف إلى زيادة قيمته كالنفقات التي تحملها المشتري في سبيل بناء حائط جديد في محل العقد، أو غرس في الأرض .

الثاني: الاستحقاق الجزئي: عبارة عن استحقاق الغير لجزء من المبيع وليس كله، أو هو عبارة عن وجود حق عيني عليه كالانتفاع أو الارتفاق أو الرهن؛ وعليه لو استحق جزء من المبيع للغير، فيجب معرفة ما إذا كان الجزء المستحق جسيماً أم غير جسيم، ويكون جسيماً إذا كان مما لا يتسامح فيه عرفاً أو يبلغ قدراً لو علمه المشتري عند العقد لما أتم إبرام عقد البيع، وفي هذه الحالة يكون للمشتري الخيار بين فسخ البيع والرجوع على البائع بالضمان كما لو استحق المبيع بأكمله، أو بقاء المبيع مع الإنقاص في الثمن بقدر ما استحق الغير من المبيع، وإذا كان الجزء المستحق من المبيع غير جسيم، فليس للمشتري فسخ البيع ورد المبيع، بل يكون له الرجوع على البائع بالتعويض عما نقص من الثمن بسبب الاستحقاق الجزئي غير الجسيم، وهي الحالة الثانية التي عالجها نص المادة (535) مدني يمني سالف الذكر.

ومن خلال ما سبق يتضح أن التعويض المستحق للمشتري في حالة ما إذا كانت خسارة المشتري جسيمة، كالتعويض فيما لو كان الاستحقاق كلياً ؛ لأنه يقوم برد ما صح من المبيع لعدم إمكانية الاستفادة منه ، أما في حالة ما كانت خسارة المشتري غير جسيمة واختار بقاء ما صح من المبيع فله التعويض ويكون ذلك برد الثمن فقط.

والله الموفق؛؛ إعداد القاضي/ عادل عبدالله الحمزي قاضي محكمة مأرب الابتدائية

قاضي المحكمة الجزائية الابتدائية المتخصصة-مأرب