مقالات

مبارك بن سعيد جلال : مأرب ملاذ النازحين ونموذج للتكافل والتعايش الإنساني في زمن الحرب

الأحد 13 يوليو 2025. 8:42م

على مدى سنوات الحرب والصراع التي اجتاحت اليمن، تحولت محافظة مأرب إلى وجهة رئيسية للنازحين الهاربين من ويلات القتال وانعدام الأمن في مختلف المحافظات. لم يكن لجوءهم إلى مأرب مجرد انتقال مكاني، بل رحلة بحث عن الأمان والكرامة في حياة باتت مليئة بالمخاطر. وفي قلب هذه الملحمة الإنسانية برز دور المجتمع المحلي في مأرب، الذي قدم نموذجًا فريدًا للتعايش والتكافل الاجتماعي، حيث فتح أبناء المحافظة بيوتهم وقلوبهم لإخوانهم القادمين من شتى المحافظات اليمنية.

منذ الموجات الأولى للنزوح، بادرت كثير من الأسر المضيفة إلى توفير أماكن سكن مؤقتة داخل منازلها أو في محيطها، قبل إنشاء المخيمات المنظمة. لم يقتصر دعمهم على الإيواء، بل امتد إلى تقديم المساعدة الغذائية والملابس والاحتياجات الأساسية للنازحين، خاصة أولئك الذين وصلوا دون أي موارد أو مصادر دخل. وقد أسهم هذا التكاتف الإنساني في تخفيف وطأة الصدمة الأولى لدى النازحين ومنحهم شيئًا من الشعور بالأمان والاستقرار.

ورغم الضغط الكبير على الخدمات العامة والبنى التحتية المحدودة أصلًا، لم يدخر أبناء مأرب جهدًا لتسهيل اندماج الوافدين داخل المجتمع المحلي. فتح الكثير من التجار وأصحاب الأعمال فرص عمل للنازحين في الأسواق والورش ومزارع النخيل، كما جرى تقاسم الموارد المائية وخدمات الكهرباء المحدودة معهم. هذا التكامل ساعد آلاف الأسر على تأمين دخل كريم والاعتماد على أنفسهم، ومنحهم شعورًا بأنهم جزء لا يتجزأ من نسيج اجتماعي حي لا يقتصر على تلقي المساعدات.

ولم يتوقف الدور الإيجابي للمجتمع المضيف عند ذلك، بل امتد إلى مجال التعليم وبناء المستقبل، حيث أسهم الأهالي في دعم تعليم أطفال النازحين من خلال التبرع بالمستلزمات الدراسية وإتاحة مقاعد إضافية في المدارس الحكومية والأهلية. كما شاركت شخصيات اجتماعية ومبادرات شبابية في حملات توعوية تهدف إلى تعزيز التعليم والرعاية الصحية وغرس قيم التعايش السلمي بين الجميع.

وفي أوقات الأزمات ، كان أبناء مأرب حاضرين بروح التكافل والتعاون، إذ بادروا بتسيير حملات إغاثة عاجلة شملت توزيع المواد الغذائية والبطانيات والاحتياجات الطارئة. كما شهدت الأسواق والمحلات التجارية حملات تبرع واسعة لدعم الأسر المتضررة. وأسهمت شخصيات قبلية واجتماعية في الوساطة لتذليل العقبات وتسهيل إجراءات التنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

وبرغم التحديات الكبيرة وضغوط النزوح المستمر، يبقى الدور الذي قدمه المجتمع المضيف في مأرب مثالًا حيًا على التضامن الإنساني والمسؤولية الأخلاقية تجاه إخوتهم اليمنيين، ويشكل صورة مضيئة عن قدرة الناس على تجاوز المحن بالتآلف والتراحم.