مقالات

كتب الصحفي السوري #عامر_هويدي : سوريا الجديدة بين الاعتراف الدولي والتصعيد الإسرائيلي

العرش نيوز/ مقالات 4 يونيو 2025

في مشهد يعكس عودة أنماط الدعاية التقليدية التي طالما استخدمتها الأنظمة التوسعية لتبرير اعتداءاتها، تُظهر إسرائيل مؤشرات متزايدة على محاولتها تكرار سيناريوهات باتت مكشوفة تاريخياً، في مسعى لإضفاء شرعية مفتعلة على تدخلاتها العسكرية المتكررة داخل الأراضي السورية. ويأتي هذا التصعيد في وقت بالغ الحساسية، إذ تواجه إسرائيل واقعاً جديداً يتمثل في بروز حكومة سورية انتقالية تحظى باعتراف دولي واسع، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، في لحظة نادرة من التوافق الدولي والإقليمي.

إن هذا الاعتراف يمثل تحوّلاً محورياً في المشهد السوري، لا سيما بعد أكثر من عقد من الفوضى والاقتتال وتفتت السيادة الوطنية. ومع بروز سلطة شرعية مدنية تحظى بقبول داخلي ودعم خارجي، بدأت سوريا تستعيد تدريجياً موقعها الإقليمي والدولي، في ظل مسار سياسي مدعوم من الأمم المتحدة ومجموعة الدول الفاعلة في الملف السوري.

لكن هذا الواقع الجديد لا يتماشى مع السياسة الإسرائيلية التي لطالما تعاملت مع سوريا باعتبارها ساحة رخوة وهشّة أمنياً، تسمح لها بالتحرك العسكري دون حساب. ومع تحوّل دمشق إلى مركز لصناعة القرار السيادي مجدداً، بدلاً من كونها بؤرة للفوضى، وجدت إسرائيل نفسها أمام تحدٍ استراتيجي جديد: دولة مستقرة تتحدث بلغة القانون الدولي، وتعيد بناء مؤسساتها تحت إشراف دولي مباشر.

وفي هذا السياق، لا يبدو مفاجئاً أن تظهر فجأة تقارير عن صواريخ غامضة أُطلقت من جنوب سوريا نحو الجولان المحتل، تزامنت مع تصريحات إسرائيلية تُحمّل الحكومة السورية الجديدة مسؤولية مباشرة عنها. غير أن المعطيات الميدانية والتقارير المحلية والدولية تشير إلى أن هذه الهجمات انطلقت من مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، حيث لا تزال تنشط مجموعات مسلحة غير منضبطة، بعضها يشتبه في ارتباطه بأجندات إقليمية تهدف إلى تقويض الاستقرار الهش.

جاء الرد الإسرائيلي سريعاً: قصف مدفعي لمواقع في ريف درعا، اختراق للأجواء السورية، وتحركات برية محدودة، إلى جانب حملة إعلامية وسياسية تُعيد استخدام خطاب التهديد وتُلوّح بالمسؤولية الكاملة على القيادة السورية الجديدة. وهو خطاب يستند إلى أسلوب “رفع الصوت حين تغيب الحجة”، أكثر مما يعتمد على حقائق ميدانية واضحة.

ويرى مراقبون أن ما جرى في درعا لا يمكن اعتباره حادثاً طارئاً، بل يُرجّح أن يكون خطوة محسوبة تهدف إلى خلط الأوراق مجدداً، وتفجير مسار التسوية الدولية، عبر اختلاق ذريعة أمنية تُعطّل مسار تثبيت الاعتراف الدولي بالحكومة السورية الجديدة، وتُعيد البلاد إلى مربع التوتر والتدويل.

الواقع أن المخاوف الإسرائيلية ليست موجهة نحو صاروخ بدائي الصنع سقط في أرض فارغة، بقدر ما هي موجهة نحو الشرعية السياسية الجديدة التي بدأت تتبلور في دمشق. فهذه الشرعية، القائمة على التوافق والدبلوماسية، تمثل خروجاً حقيقياً من الفوضى، وتهديداً مباشراً للسياسات الإسرائيلية التي استفادت لسنوات من ضعف الدولة السورية وتفتت مؤسساتها.

نحن أمام لحظة مفصلية، تشبه ما قبل العاصفة، حيث تسعى أطراف متعددة إلى افتعال أزمات وتهديدات مفترضة، فقط لتبرير سياسات لم تعد قابلة للتسويق على المستوى الدولي. لكن الفارق هذه المرة، أن المجتمع الدولي بات أكثر إدراكاً لطبيعة هذه المناورات، وأكثر استعداداً لدعم مسار الاستقرار، لا سيما في ظل وجود قيادة سورية جديدة تتعامل مع المشهد بلغة القانون، والسياسة، والدبلوماسية، وهي اللغة التي لطالما أربكت تل أبيب وقيّدت اندفاعاتها العسكرية.