مقالات

الثورة بالمدلول السياسي الإيجابي

لم يضع ابن خلدون نظرية مستقلة في الثورة ولم يفرد لها باباً في مقدمته مثلما أفرد أرسطو للثورات باباً في كتاب السياسة.

إن كانت له نظرية في الثورة فهي متداخلة عضوياً مع نظريته في الدولة والاجتماع، بل تقع في صميمها: فما يشترطه للنجاح في تأسيس دولة جديدة، يشترطه أيضاً للنجاح في نقض دولة قائمة والقيام على إثرها: العصبية والشوكة.

الثورة بالمدلول السياسي الإيجابي لا تكون ناجحة ما لم تؤدي في النهاية إلى إقامة دولة ناجحة على أنقاض دولة أدركها الضعف والهرم.

والدولة الناجحة في كل زمان هي التي تعبِّر عن نفسها على الأقل في شكل فعَّال من النظام المُستَتِب يدعوه “المُلك”.

كان ابن خلدون يسمي الدولة “مُلك” بإطلاق، لا على التعيين، فكل سلطة عامة في نظره هي مُلك.

وبما أن “المُلك منصب شريف ملذوذ يشتمل على الجميع الخيرات الدّنيويّة والشّهوات البدنيّة والملاذّ النّفسانيّة”، فإنه لهذا السبب موضوع دائم للتنافس والنزاع “وقلّ أن يسلّمه أحد لصاحبه إلّا إذا غلب عليه فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة وشيء منها لا يقع إلّا بالعصبيّة”.

فالثورة بهذا المعنى تنتمي في فكر ابن خلدون إلى أعمال المنازعة والمطالبة بالمُلك.

لكن ابن خلدون لم يكن على استعداد للشعور بالتعاطف مع “الثائر” العاجز عن إمضاء أمره إلى تمامه.

وكان يصف الثوار من هذا النوع بـ الموسوسين والمأزومين لأنهم “يأخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية، ولا يشعرون بمغبّة أمرهم ومآل أحوالهم”، (المقدمة، ص320، ج1).

فالثائر الجدير بالتعاطف هو الذي لديه القدرة على النجاح، وهو لن ينجح ما لم يكن على علم مسبق بأن “أحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من وراءها عصبية…”، فيُعد لذلك عُدَّته، (ابن خلدون، المقدمة، ص319، ج1).

ويقول في موضع آخر عمن يعرِّضون أنفسهم للمهالك باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء. فإن كثيرًا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه، والأمر بالمعروف، رجاءً في الثواب عليه من الله؛ فيكثر أتباعهم والمتلبسون بهم من الغوغاء والدهماء، ويُعرّضون بأنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في تلك السبيل مأزورين غير مأجورين؛ لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم، وإنما أمر به حيث تكون القدرة عليه”، (انظر المقدمة ص278).

ما يلزم لنجاح الثورة والدولة، يراه ابن خلدون لازماً وبالقدر نفسه تقريباً حتى للنبوءات والدعوات الدينية، فهي لن تجد إلى النجاح سبيلاً ما لم تكن مستندة إلى “عصبية” تنصرها وتنهض بأعباء تمكينها بين الناس، “فالعصبية ضرورية للملة وبوجودها يتم أمر الله منها”، كما يقول.

المعادلة هي:

العصبية لازمة لنجاح الدولة والدعوة معاً، ولكن الدعوة كذلك لازمة لتمتين عُرى العصبية التي غايتها المُلك والدولة. ومن ثمّ فالعصبية تحتاج الدعوة الدينية قدر حاجة الدعوة للعصبية، وبالتفاعل والتكافل بينهما ينهض المُلك والسلطان.

لكن ما “العصبية”؟

ولماذا تحتلّ هذه الأهمّية القُصوى؟

انسوا كل ما تظنون أنكم تعرفونه عن هذا المفهوم.

بوسعكم التعامل مع كل ما يحقِّق الغرض الخلدوني من العصبية -وهو المُلك- على أنه عصبية.

هذا يقتضي تحرير الكلمة من الدلالات الأخلاقية السلبية التي التصقتْ بها قديماً بمنطوق الدين (الشرع) وحديثاً بمنطوق التنوير والإصلاح.

فكِّروا فقط على أن “العصبية” كناية عن القدرة بمعناها الواسع.

فالكلمة تحيل في النهاية إلى الفعل القوي المتضافر الذي يصدر عن أناس يشتركون في نعرة واحدة، وغاية واحدة، ويتفقون في الأهواء والمطالب.

وهي إما عصبية نسب أو عصبية ولاء، بينما الفهم السائد لها لا يراها أكثر من عصبية نسب ورابطة قربى ودم، وهذا لعمري فهم مشوه ومغلوط ينتقص من القيمة المعرفية الراهنة للنظرية.

تُمتدح العصبية أو تُذم بحسب الغاية التي تسعى لها، والنتيجة التي تنتهي إليها أعمال المؤتلفين في إطارها.

وهذا بالضبط هو الموقف الأخلاقي من الثورة، فهي لا تُمتدح بإطلاق ولا تُذم بإطلاق، وكذلك هو الموقف من المُلك والحرب والسلم وغير ذلك من الأعمال الإرادية التي للإنسان اختيار فيها.

والعصبية قد تكون رابطة دينية أو وطنية، أو طبقة اجتماعية أو تنظيم عسكري أو حزبي، أو شعب منتظم في دولة، أو حلف قَبَلي.

وقد لاحظ ابن خلدون في كتاب “الرحلة” أن العصبية التي قام عليها مُلك صلاح الدين الأيوبي كانت عصبية ولاء لا عصبية قبيلة ونسب، فإن “بني أيوب لما ملكوا مصر والشام، واستقل بها كبيرهم صلاح الدين، وشغل بالجهاد وانتزاع القلاع والحصون من أيدي الفرنج الذين ملكوها بالسواحل، وكان قليل العصابة، إنما كان عشيره من الكرد يعرفون ببني هذان، وهم قليلون، وإنما كثر منهم جماعة المسلمين، بهمة الجهاد الذي كان صلاح الدين يدعو إليه، فعظمت عصابته بالمسلمين، وأسمع داعيه، ونصر الله الدين على يده”.

إننا لو فهمنا “العصبية” بهذا القدر من الرحابة والمرونة، سندرك أن نظرية ابن خلدون لا تشُذّ كثيراً عن أغلب نظريات نشأة الدول، قديمها وحديثها.

وأما عن الثورة، فلا أظن ابن خلدون سيناصب العداء ثورة تحولت إلى دولة تتوفر في سياستها على درجة معقولة من الفضيلة والعدل والكفاءة في جلب المنافع ودرء المفاسد.

كانت لديه أخلاقياته الذاتية بلا شك، ولكنه لا يملك أن يفرضها على التاريخ الموضوعي مثلما يبدو عليه.

كل ما في الأمر أن حماسته كانت ضعيفة تجاه الأفعال العامة الطائشة، المستخفة، غير المحسوبة.

إن ابن خلدون في فتوره نحو الثورات الفاشلة كان يستند غالباً إلى أسباب هي أقرب لأسباب رجل الدولة والمؤرخ والسياسي المستنير والمفكر التجريبي الذي لم يمنع كونه فقيهاً مسلماً على المذهب المالكي من الاحتفاظ بنظرة مادية إلى وقائع التاريخ قائمة على السببيّة

alarshnews

الحدث لحظة بلحظة