في المنتصف بين إنسانيتي وحقي في الإنسانية

العرش نيوز _ ابرار محمد :
نسكن في حيّ صغير مليء بالبيوت المتراصّة والمتزاحمة، ولا نملك إلا مساحة صغيرة تعبر بها السيارات بشق الأنفس.
وكشخص يحب أن ينعم بالهدوء والسكينة في منزله، يؤلمني جدًا استيقاظي على “أهلاً أهلاً يا نانا”، وأشعر أنه اقتحام للخصوصية وإزعاج للعامة وعدم احترام شديد للمرضى وكبار السن ومن لا يطيقون الأصوات العالية أمثالي، وأشعر أن حقي في السكينة يُغتصب! يعتريني غضب شديد من هذا الصوت حتى أني لا أطيقه، بل فليشهد الله والمارة والناس أجمعين كرهي للباعة المتجولين أصحاب عربات المثلجات.
أكظم غيظي هذا منذ عودتي من مصر إلى أن قررت أني سأنهي هذه المعاناة، فلن أحتمل مرورهم من أمام نوافذنا والمكوث قليلاً حتى يتجمع الأطفال وحتى ينفجر رأسي! أخبرت عائلتي أني لا أستطيع وسأحدثه كي يخفض الصوت فلم أعد أحتمل! لقد كنت أظن أنه بائع واحد يطوف طوال اليوم بجانبنا وعزمت على أن أخرج وأرجوه أن يُسكت هذا الصوت، وفعلت ذلك.. لا أنكر أنه قابلني بلطف شديد وأقفل المسجل ومضى، فرجعت مسرورة أن معاناتي انتهت.
ما هي إلا لحظات إذ بي أسمع صوتاً آخر وآخر وآخر، وأرى أنهم لا ينتهون. أعلم أنه رزقهم الوحيد، وأنهم يمرون الأحياء من أجل الأطفال، ولا ألومهم لذلك، فالرزق لا ينتظر أحدًا، ولكن بقيت في المنتصف بين إنسانيتي وحقي في الإنسانية!