شطحة

محمد جميح
صباحاً فوق جسر واترلو…
النهر تحتي يرتجف من البرد…ويتجلبب ضفتيه كإنجليزي يدس جسده في معطف طويل…
أسيرُ تجاه الضفة الشمالية، إذ خرجت صنعاء من النهر “سافرة” الوجه…
تركتها قبل سنوات “مبرقعة”…
كانت تبكي بكاء تهيض له تراقيها…
ساعة “بيغ بن” المجاورة تقف عن الدوران…
عقاربها جامدة من الرعب…
وصنعاء تصرخ وقد تشعث شعرها وتجعد قلبها، وتخمش وجهها…
قلت: اهدئي صنعاء..ماذا جرى؟
نظرت إلي يعينيين ذابلتين وقد تعلقت على أهدابهما بقايا دموع وبقايا أحلام…
قالت: هاجمني تحت جنح الفوضى اثنان…
هتكا برقعي و…
لم تكمل…
وما راعني إلا صوتها وهي تهوي إلى النهر من طرف الجسر القريب من “لانكاستر غيت”…
همت على وجهي فوق الجسر…
الجسر يدور بي…
كأن النهر يتغشاني موجه…
ولما اقتربت من حيث ألقت صنعاء نفسها إلى النهر…
خرجت منه فتاة شرقية مبللة الروح…
وجهها مغطى ببرقع كثيف أسود…
كانت تنتحب وتخمش روحها بأظافرها…
قلت من؟
قالت وهي تتفطر بكاء: كنتَ تعرفني من قبل…
عرفتــُها من لهجتها…
صرختُ: عدن…!!! ما هذا على وجهك؟
قالت بصوت مشروخ: اثنان هجما علي البارحة…
غطيا وجهي بهذا “البرقع” و…
ثم أصدرتْ أنة اهتزت لها أبراج البرلمان البريطاني الرابض غير بعيد…
قفزتْ إلى النهر…
دار الجسرُ بي…
هويتُ إلى النهر…
خرجت لندن من النهر تجرني…
تهاوت روحي…
قالت لندن: أجننت!؟
قلت: أنت لا تفهمينني…دعيني وشأني…
قالت: بل سمعتُ كلَّ شيء…
قلت: من هما إذن؟
قالت: لندن: واحد في الشمال والآخر في الجنوب…
قلت: عرفتهما…
قالت لندن: يخيل إليك…
مضت لندن يتأبطها ونستون تشيرشل…
مضيت أتأبط غربتي وحزني…
بائع “الغارديان” يصرخ على الجسر، ويروج لها بعنوان بارز:
“اليمن على حافة الانهيار…”
تكومت روحي دفعة واحدة…
انهارت في قاع النهر…