آخر قلاع الجمهورية

كتب جابر محمد ناصر.
في أواخر سبتمبر من العام 2014م كانت براميل البارود قد اشتعلت بلا رجعة ، معلنة بدء حرب شاملة لم تشهد اليمن مثلها في مختلف عصورها، حرب لم تفلح قبلها مبادرة اقليمية وأخرى أممية وأشهر من الحوار الوطني في نزع فتيلها والحؤول دون اندلاعها.
في تلك الأثناء كانت المحافظات في الشمال قد أضحت فرائس سائغة لقطعان الحوثيين المدعومين من ايران والمسنودين ببقايا نظام عفاش الذين ظلت سلطتهم على الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية قائمة، تماماً كما هي أحقادهم تجاه (ثوار فبراير والربيع العربي) قائمة الى اليوم.
يمكن القول إنه وفي اللحظة التي وقعت خلالها معظم محافظات الشمال تحت قبضة مليشا الحوثي الهاشمية الإرهابية الانقلابية وتحت سطوة رهاب الثأرية الإنتقامية العفاشية فأزاحت راية الجمهورية من سطوح معسكراتها ومقراتها الحكومية ورفعت رايات الصرخة الخمينية مكانها ، كان بوسع راية جمهورية وحيدة في كل أرجاء الشمال أن ترفرف وتخفق ، متكئة على أكتاف وسواعد ثلة من أحفاد سبأ أولوا القوة والبأس الشديد” ممن أجتمعوا في منطقة مطارح نخلاء والسحيل بمأرب ليعلنوها صراحة : لن يدخل الحوثي مأرب.. وإن كان..فعلى أشلائنا.. متخذين بذلك القرار الأصعب ومشكلين النسق الأول لمعركة استعادة الجمهورية التي ما تزال رحاها دائرة حتى كتابة هذه السطور.
آنذاك كانت (قوات الحوثي/عفاش) قد اجتاحت المدن والمديريات والقرى في جميع محافظات الشمال بعد أن فتحت لها ابواب الثكنات والمعسكرات المنيعة في عمران وصنعاء لتبدأ بعد ذلك في الزحف جنوبا لتجتاح (الضالع والعند وصبر ولحج وعدن) .. الا أنها لا تتقدم شبراً واحداً على تماس مطارح نخلا والسحيل ، أمام جلجلة القسم الذي أقسمه أبطال عبيدة ومراد وجميع قبائل مأرب : لن تدخلوا مأرب ما دام فينا عرق ينبض ورئة تتنفس.
واليوم.. ها هي مأرب المحافظة التي تنفـَّـسَـت أدخنة القذائف وغبار الحروب أكثر مما تنفست الهواء، ها هي ذي تصحو على وقع الزحوفات المتواصلة لمليشيا الحوثي وتغفو على خسَّةِ المكائد والدسائس التي تحاك ضدها في قصور الرياض وابوظبي وتقف بمفردها في وجه العاصفة فيما أدار لها قطيع الانتهازيين وحملة المباخر وماسحي الجوخ ظهورهم ودفنوا رؤوسهم في الرمال خوفاً من المواجهة وطمعا في الريال والدرهم.
في كل الحالات يضل من المؤكد أن مأرب التي اتخذ أبناءها الخيار الأصعب في تاريخ اليمن المعاصر والذين يقفون اليوم بين خيارين إما الموت بشرف أو الحياة بذل، تكون قد اختطت لنفسها تاريخا لائقا ومكانا مشرفاً بعد ست سنوات من الصمود الاسطوري وصناعة التاريخ والملاحم البطولية بفضل شجاعة واستبسال قبائلها وتضحيات ابناءها الذين نذروا أعمارهم رخيصة على منحدرات وذرى جبالها و بطون أوديتها ورمال صحرائها، فيما سيذهب ساسة الفنادق وديناصورات الأحزاب الكرتونية ومناضلي الحانات والبارات الى مزبلة التاريخ مثخنين بالهزيمة والخزي والعار، ولا نامت أعين الجبناء.