مقالاتالشاشة المتحركة

نبضة من روايتي ( كاكتان)

العرش نيوز كتابات بقلم/ إحسان الحداء

تذكرت نصيحة أمي حين كانت تُخيط كأنها تقود باخرة ضخمة أو قطار سريع يد أمي التي تمسك مقبض ماكينة الخياطة اليدوية وتسافر راسمة خطوط من الرزق البسيط ، يكف صوت الماكينة عند تغيير الزوايا يصل عتاب أمي صافياً وتنظر إلي من فوق عدسات نظارتها المكسورة فلو كان بمقدورها خياطة الكسر لفعلت ، تقول إن القطعة القماشية التي تخيطها أنفع من شهادتي الجامعية وإن مهنة الخياطة لاتتوقف مهما حدثت من أزمات ، إنها جلد الإنسان الثاني وتستطيع أن تفوقني وتتعداني بالآف الخطوط وإن الإبرة أهم من القلم والقماش أهم من الورق الذي لايغني ولايسمن من جوع ، ورفضي الصريح بعدم تقبلي لتعلم المهنة منها سيرمي بي للحاجة يوما ، إن عدم امتلاك مهنة في قبضة اليد ستجعل يدك ممدودة لاستجداء الآخرين ، تعود لتهرول لتسبقني . ماقالته لايمكن لي تجاهله الخياط يحارب بإبرة ضئيلة يخيط للذين لم يولدوا بعد ليجدو جلدوهم الثانية بانتظارهم ، يعرف كيف يلصق بهجة العيد في ملابس الصغار ويرسم بإبرته زهور لاتذبل ورسوم لاتطمس ، يعرف كيف ينهج حساً كلاسيكيا في زي المدرسة، وحساً رومانسيا مكلل بالفرح في ثياب عروس ، وتوخز إبرته الصلابة في الثياب العسكرية ويضفي طابع خشناً ، إبرته تعرف كيف تعبر بسلاسة وسرعة يلصق الكثير من الجيوب ويحظى جيبه بالمال ، يتربع على كرسي الحاجة ويقود الدفة في كل مراحل خضم الحياة ، ليس هذا وحسب فكل شخص يتقن مهنة ما يعامل مشاكله بفكرة مهنته ، تهرع أمي لحل مشاكلها التي تعتبرها تمزقات ولابد من إن ترتقها ببعضها لإلى تبقى فجوة تجلب لها العار أو تتوسع لاتسمح ابداً لأي مشكلة ما بالتمدد صارمة للحد الذي ترتق الجدران بالأسمنت الشقوق عدوها الصلب ، يرعبها رؤية الفجوات والشقوق تذكرها دائما بعجزها السابق عن ترميم التصدعات التي اصابت بيتنا منذ سنوات طويلة على إثرها أنشق أبي وتوسعت الفجوة بيني وبينها إبرها وخيوطها لم تستطع لم شملنا من جديد ، أعرف عمق الجروح في قلبها والتي عجزت تماماً أن تخيطها ، كلنا ممزقون والأسوا إن الريح حملت أشلاءنا بعيدا . أتذكر مهنة أبي وبراعته في البناء فقد قال يوماً مثلها إن صاحب المهنة لايتعطل عن مهنته فالبناء مستمر ما استمرت الحياة كان بارعاً في الهندسة المعمارية يتقن عمله جيداً يعرف إن خطأ بسيطاً سيتسبب في إحداث شقوق لايمكن معالجتها إلا بالهدم ثم البناء ثانية وهذا سيكلفه الكثير من الخسارة ، حين أرتكب خطأ بسيطاً ثم تجاهله ، نشأ شق بطول قامته في بنيان أسرته ثم تهاوى مابناه على رؤوسنا ، منذ ذلك الحين لم يعد يعمل في البناء خانته قواه بينما أمي تواصل مهنتها لترتق كل تلك الشقوق والفجوات.

,