سلطان العرادة.. رجلٌ بحجم أمة
مقال بقلم د. يحيى محمد القانصي عن سلطان العرادة، ودوره القيادي في مأرب وصموده في واحدة من أصعب مراحل تاريخ اليمن والجمهورية.

مأرب، حين اختارتها الأقدار لتكون الجمهورية بأسرها، اختارت الأقدار لها أيضًا قائدًا استثنائيًا يقودها. الفريق أول ركن سلطان بن علي العرادة.. هدية الله لمأرب، وهدية مأرب للجمهورية.
في زمنٍ تتساقط فيه الأقنعة، وتنـكشف فيه معادن الرجال، وتصبح فيه الأوطان أمام اختبارات لا ترحم، تظهر بعض الشخصيات وكأنها جاءت في موعدها تمامًا مع الحدث والتاريخ. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الفريق أول ركن الشيخ سلطان بن علي العرادة، رجل المرحلة والقائد الذي أثبتت الأيام أن وجوده في قيادة المحافظة لم يكن صدفة، بل كان قدرًا من أقدار الله التي جاءت في أكثر المراحل حساسية وخطورة.
مأرب.. عنوان الصمود وقلعة الجمهورية
فمأرب اليوم ليست مجرد محافظة على خارطة اليمن، بل إنها عنوان للصمود، وكعبة للشنوخ، وقلعة للجمهورية، وموطن لملايين اليمنيين الذين احتموا بها حين ضاقت بهم الأرض. بل إن مأرب مساحة جمعت تحت رايتها أطيافًا سياسية واجتماعية وقبلية متعددة، من مختلف ربوع الوطن الكبير.
وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، كان لابد من قائد يمتلك عقل السياسي، وصلابة العسكري، وحكمة الشيخ، وسعة صدر رجل الدولة الكبير. وهنا كان سلطان العرادة.
القائد الذي لا يُقارن بغيره، وليست المسألة أن نقول إن سلطان العرادة أفضل من هذا القائد أو ذاك، فلكل قائد ظروفه ومرحلته بالتأكيد، لكن سلطان العرادة حالة قيادية يصعب اختزالها في مقارنة عابرة على الإطلاق.
فهو رجل تتسع رؤيته للجميع، ولا تضيق بمن يختلف معه، ويعرف أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن الجمهورية أوسع من الأحزاب، وأن مأرب لا يمكن أن تكون قوية إلا بكل أبنائها.
وهذه واحدة من أعظم صفات القائد الحقيقي: أن يستطيع أن يكون قريبًا من الجميع دون أن يفقد بوصلته، وأن يستمع إلى المختلفين دون أن يتنازل عن ثوابته، وأن يجمع المتناقضات تحت سقف واحد حين يكون الوطن في حاجة إلى الوحدة.
مأرب أكرمها الله برجلها المخلص
لو كانت مأرب في ظروف طبيعية، لربما كان الحديث عن القيادة شيئًا آخر. لكن مأرب واجهت سنوات استثنائية، وأصبحت هدفًا لمعركة أكبر من حدودها الجغرافية.
كانت المعركة على الأرض، وكانت المعركة على الدولة، وكانت المعركة على الجمهورية، وكانت المعركة أيضًا على الإنسان اليمني الذي وجد في مأرب ملاذًا آمنًا دون غيرها.
وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي أن تكون شجاعًا فحسب، بل لابد أن تكون حكيمًا. ولا يكفي أن تكون حازمًا، بل لابد أن تكون قادرًا على جمع الناس وتوحيد صفوفهم. ولا يكفي أن تنتصر في معركة، بل يجب أن تحافظ على المجتمع بعد المعركة.
وهنا تظهر حكمة وقيادة الفريق أول ركن سلطان العرادة.
من مأرب وإلى اليمن بأسره
سلطان العرادة لا ينظر إلى مأرب باعتبارها جزيرة منفصلة عن اليمن، بل يدرك أن قوة مأرب من قوة اليمن، وأن حماية الجمهورية ليست قضية منطقة أو قبيلة أو حزب.
كلا، لم يكن كذلك. ولهذا ظل خطابه وموقفه مرتبطين بفكرة الدولة واستعادة مؤسساتها، والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي اليمني.
إنها نظرة أوسع من اللحظة، وأعمق من الحسابات اليومية. فالقائد الذي يرى اليوم فقط قد يربح جولة، أما القائد الذي يرى الغد فيستطيع أن يصنع تاريخًا.
وهذه هي النظرة التي جعلت تجربة العرادة مختلفة في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها اليمن، بمختلف مراحله المعقدة.
معادلة لا يجيدها إلا الكبار
يعرف سلطان العرادة القبيلة من داخلها، ويعرف الدولة من موقع المسؤولية. ولذلك استطاع أن يفهم أن القبيلة اليمنية ليست خصمًا للدولة إذا أُحسن التعامل معها، وأن الدولة لا تكون قوية بإلغاء المجتمع، وإنما باحترامه وتنظيم طاقاته وتوجيهها نحو حماية الوطن.
لقد استطاع أن يجعل من التلاحم القبلي والاجتماعي رافدًا لقوة الدولة، لا بديلًا عنها. وهذه معادلة تحتاج إلى قائد يفهم المجتمع، لا قائد يتعالى عليه.
قائد يسمع الجميع
من أكثر ما يميز الرجال الكبار أنهم لا يخافون من سماع الرأي الآخر. وسعة صدر سلطان العرادة جعلته قادرًا على استيعاب مساحة واسعة من الآراء والمواقف.
فهو لا يرى المختلف خصمًا بالضرورة، ولا يرى النقد خيانة، ولا يرى السياسة ساحة لإلغاء الآخرين، بل يرى أن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة إذا ظل الجميع تحت سقف الوطن.
وهذه هي الثقافة التي تحتاجها اليمن اليوم أكثر من أي وقت مضى.
مأرب.. حين كان الصمود هو الإجابة
وفي كل مرحلة كان السؤال واحدًا: هل تستطيع مأرب أن تصمد؟ وكانت الإجابة على الأرض: نعم.. تستطيع.
ولهذا أصبحت مأرب في وجدان اليمنيين رمزًا للصمود، وأصبح سلطان العرادة أحد أبرز وجوه هذه المرحلة، بلا منافس.
سيكتب التاريخ كثيرًا عن مأرب، وسيكتب اسم سلطان العرادة بماء الذهب وفي أنصع الصفحات.
ربما تختلف الآراء في السياسة، وربما يختلف الناس في تقييم بعض القرارات، وربما لا يعجب البعض ما أكتب، وهذا أمر طبيعي في حياة الشعوب. لكن التاريخ عندما يفتح صفحاته، لا يسأل فقط: من كان في المنصب هذا أو ذاك؟ على الإطلاق.
بل يسأل: ماذا فعل فلان عندما جاءت اللحظة؟ وماذا فعل عندما كان الوطن مهددًا؟ وماذا فعل عندما احتاج الناس إلى الأمان؟ وماذا فعل عندما كان الانقسام أسهل من التوافق؟
وهنا سيكون اسم سلطان العرادة حاضرًا بقوة في قصة مأرب والجمهورية خلال هذه المرحلة.
سلطان العرادة.. عنوان لمرحلة كاملة
ليس سلطان العرادة مجرد اسم في المشهد اليمني، بل لقد كان ولا يزال عنوانًا لمرحلة. منذ البداية، كانت مرحلة اختُبرت فيها الدولة، واختُبر فيها المجتمع، واختُبرت فيها القبيلة، واختُبرت فيها الأحزاب، واختُبر فيها الرجال.
وفي هذه الاختبارات، بقيت مأرب واقفة وشامخة شموخ الجبال العوالي.
ولهذا فإن أبناء مأرب، عندما يتحدثون عن سلطان العرادة، لا يتحدثون فقط عن قائد عسكري أو مسؤول سياسي؛ إنهم يتحدثون عن رجل وقائد استثنائي، يرون أنه كان مناسبًا لمرحلة استثنائية.
رجل المرحلة
وفي الختام، قد تتغير المناصب، وقد تتبدل الظروف، وقد يأتي بعد هذه المرحلة رجال آخرون. لكن هناك رجالًا تسبق أسماءهم المرحلة، وتصبح أسماؤهم جزءًا من ذاكرتها وللتاريخ.
وسلطان بن علي العرادة واحد من هؤلاء.
رجل لم تكن مهمته أن يقود مأرب في زمن الرخاء، بل وجد نفسه أمام واحدة من أعقد المراحل في تاريخ اليمن، فاختار أن يحمل المسؤولية.
ولهذا نقولها بكل اعتزاز: لقد أكرم الله مأرب في مرحلة عصيبة برجل استثنائي، واسع الرؤية، ثابت الموقف، رحب الصدر، يعرف قيمة الرجال، ويحترم التنوع، ويؤمن بأن الوطن لا يُبنى بالإقصاء، وإنما بالشراكة.
وحين اشتدت العاصفة، كان سلطان العرادة في مقدمة المشهد. وحين احتاجت الجمهورية إلى من يحمل رايتها، بقيت مأرب واقفة.
وحين يسأل التاريخ: من كان رجل هذه المرحلة؟ فسيكون اسم سلطان بن علي العرادة واحدًا من الأسماء التي ستظل حاضرة في صفحات مأرب واليمن بشكل عام.
والله من وراء القصد.